المرأة المسلمة (اليمنية ) لا تحتاج إلى مأوى غير أسرتها في التعاليم الدينية والأعراف القبلية 2026-06-03 15:04:35
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَرَّم الْمَرْأَةَ
وَأَعْلَى شَأْنَهَا، وَجَعَلَ الأَسْرَةَ حِصْنًا حَصِينًا وَمَلَاذًا آمِنًا
لَهَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ
وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدَ :
فَإنْ الْمُتَأَمِّلَ فِي الشَّرِيعَةِ
الْإِسْلَامِيَّةِ الْغَرَّاءِ، يُدْرِكُ بِجَلَاءٍ مَا أَوْلَتْهُ لِلْمَرْأَةِ
مِنْ مَكَانَةٍ رَفِيعَةٍ وَرِعَايَةٍ عَظِيمَةٍ، حَيْثُ جَعَلَهَا فِي بَيْتِ
أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا دُرَّةً مَصُونَةً، وَأَوْجَبَ عَلَى أَهْلِهَا بِرَّهَا،
وَالذَّوْدَ عَنِ حِيَاضِهَا، وَإِعْطَاءَهَا حُقُوقَهَا كَامِلَةً غَيْرَ
مَنْقُوصَةٍ.
وَفِي ظِلِّ تَعَالِيم الْإِسْلَام السَّمْحَةِ،
وَمَا تَوَارَثَهُ الْمُجْتَمَعُ الْيُمْنَيُّ الْأَصِيلُ عَبْرَ التَّارِيخِ مِنْ
عَادَاتٍ وَتَقَالِيدَ نَبِيلَةٍ وَقِيَمٍ أَصِيلِةٍ، تَحْظَى الْمَرْأَة
بِمَكَانِةٍ عَظِيمَةٍ وَرِعَايَة بَالِغَةٍ مِنْ قِبَلِ أَهْلِهَا وَأُسْرَتِهَا
وَعَشِيرَتِهَا.
فَالْمَرْأَةُ فِي يَمَنِنَا الْحَبِيبِ هِيَ
الْأُمُّ الْمُوَقَّرَةُ، وَالْأُخْتُ الْمُكَرَّمَةُ، وَالِابْنَةُ العَزِيزَةُ،
الَّتِي تُصَانُ كَرَامَتُهَا وَتَقْضَي حَوَائِجُهَا فِي كَنَفِ أُسْرَتِها ،
فَالْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ الْيَمَنِيَّةُ مَحُوطَةٌ بِسُورٍ مُتَكَامِل مِنْ
الْقِيَمِ وَالتَّعَالِيمِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَعْرَافِ الْقَبَلَيَّةِ
فَأَكْتَمَلَتْ لَهَا حُقُوقُهَا الشَّرْعِيَّةُ وَالْعُرْفِيَّةُ، وَهَكَذَا
الشَّأْنُ فِي الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ إِنْ حَرَصْتْ عَلَى مَكَانَتِهَا فِي
الْإِسْلَامِ فِي أَيِّ بَلَدٍ كَانَتْ وَبِأَيِّ لُغَةٍ تَحَدَّثَتْ .
فَالْمَرْأَةُ فِي مُجْتَمَعِنَا وَفِي ظِلِّ
هَذِهِ الرِّعَايَةِ الْأُسَرِيَّةِ وَالْمُجْتَمَعِيَّةِ الْمُتَأَصِّلَةِ، فِي
غِنًى تَامّ عَنْ أَيِّ تَدَخُّلاتٍ خَارِجِيَّةٍ أَوْ دَعَوَاتٍ وَافِدَةٍ
تَزْعُمُ حِمَايَتَهَا أَوْ تَدَّعِي السَّعْي لِأَخْذ حَقِّهَا؛ فـ "دُورُ
إيوَاءِ الْمُعَنَّفَاتِ" بِأَيِّ أُسْلُوب وَاسْمٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ
وَمَا يُرَافِقْهَا مِنْ أُطْرُوحَاتٍ تَتَنَافَى مَعَ خُصُوصِيَّةِ مُجْتَمَعِنَا
وَثَوْابِتِنَا الدِّينِيَّةِ، وَتُشَكِّل تَهْدِيدًا مُبَاشِرًا لِلنَّسِيج الْأُسْرَى،
وَمَنْ الْمُؤْسِف أَنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ المَشْؤومَةَ وَاَلَّتِي بَدَأَتْ
مِنْ الْعِرَاقِ قَدْ نُقِلَتْ إلَيْنَا ، وَقَدْ رَأَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ سَخَطًا
يُنْبِئُ عَنْ حَيَاةِ ضَمِير الْمُجْتَمَع الْيُمْنَى الرَّافِض الْمِسَاسَ
بِثَوَابِتِه وَقِيمَهِ ، وَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ مَحَاولَةٌ لِتَحْسِين الصُّورَةِ
وَتَغْيِير الِاسْم وَوَضْعِ بَعْضِ الْقُيُودِ الَّتِي تَسُوغُ لِقَبُول مِثْلِ
هَذِهِ المَشَارِيع التَّغْرِيبَيَّةِ ، وَلَكِنْ تَبْقَى الْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ
وَالْجِهَةُ وَاحِدَةٌ ، وَبِحُكْم تَمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِ الْيَمْنَى وَتَمَسُّكِه
بِثَوَابِتِه وَقِيمَه قَدْ لَا يُسْتَطَاعُ التَّصْرِيحُ بِبَعْضِ الْحَقَائِق ،
وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ نَجِدَ الْأَلْفَاظَ المَطَّاطِيَّةَ ، وَتَخْدِيرَ
الْمَشَاعِرِ بِبَعْض الْقُيُودِ الْمُعْلَن عَنْهَا وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيِّ
الِالْتِزَامُ بِهَا عِنْدَهُمْ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ بِدِرَاسَةٍ
مُتَكَامِلَةٍ مُوثَّقَةً مِنْ مَصَادِرِهَا الرَّسْمِيَّةِ حَتَّى يَقْدَّمَ
كَمَبِحثٍ عِلْمِي يَكْشِف خَفَايَا الزَّوَايَا ، وَالْعَوْنُ مِنْ اللَّهِ وَلَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّه .
بِدَايَة: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي
مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، مُؤَكِّدًا دُورِ الرِّجَالِ وَالْأَهْلِ فِي الْحِمَايَةِ
وَالرِّعَايَة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النِّسَاءِ:
34].
وَقَدْ أَكَّدَ النَّبِيُّ r
هَذِهِ
الْمَسْؤُولِيَّةَ الْمُشْتَرِكَةَ بِقَوْلِهِ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ
مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] عَنْ ابْنِ عُمَر t
إِنَّنَا كَمُجْتَمَعٍ يَمْنِيٍّ نُدْرِكُ
يَقِينًا كُلٌّ بِصِفَتِهِ وَمَكَانَتِهِ أَنَّنَا لَسْنَا بِحَاجَةٍ إِلَى هَذِهِ
الدُّورِ المَشْبُوهَةِ -عَلَى الْأَقَلِّ- لِمَا نَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ قِيَمٍ
وَمَبَادِئَ شَرْعِيَّةٍ وَقِبْلِيَّةٍ لَا تُحْوجُنا إلَى قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ
المَشَارِيعَ ، وَلَكِنْ رُغْمَ ذَلِكَ مَعَ تَفَشِّي ظَاهِرَةَ الْفَقْرِ
وَالْبَطَالَةِ وَجَدَ بَعْضُ ضِعَافِ النُّفُوسِ مَرْتَعًا خَصْبًا لِنَيْلِ
شَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الدَّعْم السَّخِيّ ، وَهَذَا قَدْ
يَحْصُلُ لَكِنْ مَعَ الرَّقَابَةِ وَالْوَعْي التَّامّ تَتَحَطَّم هَذِهِ
المَشَارِيعُ عِنْد أَسْوَار الْفَضِيلَة وَالْغَيْرَةِ .
• إِنَّ
إنْشَاءَ مَا يُسَمَّى بِـ "دُور إِِيوَاءِ الْمُعَنَّفَاتِ" أَوْ أَيْ
اسْمٍ اخَرَ يَحْمِلُ نَفْسَ الْهَدَفِ فِي بِيئَتِنَا الْيَمَنِيَّة يَحْمِلُ فِي
طَيَّاتِهِ مَخَاطِرَ جَسِيمَة، نُلَخِّصُها فِيمَا يَلِي :
-
تُشَجِّع هَذِهِ الدُّورُ الْمُمَوَّلَةُ مِنْ جِهَاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ الْفَتَيَاتَ
وَالنِّسَاءَ عَلَى التَّمَرُّدِ وَالْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ أَوْ
الزَّوْجِ عِنْدَ أَوَّلِ خِلَاف طَبِيعِيّ، بَدَلًا مِنْ السَّعْيِ لِلصُّلْحِِ
الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ
بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا
بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النِّسَاء: 128]، وَإِقَامَتُهَا فِي
أَمَاكِنَ إيوَاءٍ عَامَّة يَلْحَقُ بِهَا وَبِأَهْلِهَا عَارًا مُجْتَمِعِيا
وَيُفَقِدُهَا الحِمَايَةَ وَالْكَرَامَة الَّتِي لَا يُوَفِّرُها لَهَا سِوَى
بَيْتُهَا وَأَقَارِبُهَا، لِوَصِيِّة النَّبِيِّ الْكَرِيمِ بِهَا فِي قَوْلِهِ :
(اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
- عَزْلُ
الْمَرْأَةِ عَنْ مُحِيطِهَا الْأُسْرَيِّ وَعَنْ أَوْلِيَاءِ أَمْرِهَا، تَجْعَل
جِهَاتٍ مَجْهُولَةً بِمَثَابَة الْوَصِيّ الْبَدِيل عَنْهَا، مِمَّا يُصَادِمُ
الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ وَالْقَيَم الْقَبَلِيَّةَ الَّتِي تَجْعَلُ حِمَى
الْمَرْأَة وَعِزَّتَهَا بِوُجُود أَهْلِهَا.
وَأَخِيرًا هُنَاكَ بَعْضُ التَّسَاؤُلَات
الْمُهِمَّة وَالْوَاقِعِيَّة نَطْرَح بَعْضَهَا :
إنْ شَرِيحَةً كَبِيرَةً مِنْ الشَّبَابِ
وَالْمُسِنِّيْنَ فِي بِلَادِنَا الْيَمَنِيَّةِ قَدْ مَلأُوا الشَّوَارِع
وَالأَرْصِفَة لَا مَأْوًى لَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ مَا يَقْتَاتُونَه فَلِمَاذَا
لَمْ تُبِنْ الدُّورُ لَهُمْ؟
أَوْ لَا يَمْلِكُون إِنْسَانِيَّةً وَلَا
كَرَامَةً ؟
لِمَاذَا الْمَلَاجِئ لِلنِّسَاءِ اللَّوَاتِي
يُقِمْن بَيْن أُسَرٍ وَبُيُوت وَرِعَايَة ؟
وَالْمُشَرَّدُونَ مِنْ مُخَلَّفَاتِ
الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا لَا يَجِدُونَ مَلاجِئ .
لَوْ افْتَرَضْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ هُنَاكَ
خِلَافَات أُسَرِيَّة – وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهَا مُجْتَمَعٌ - أَوْ عُنْفٌ
عَلَى بَعْضٍ النِّسَاءِ أَلَيْسَ فِي دِينِنَا وَمَحَاكِمِنَا الشَّرْعِيَّة
مَجَالًا لِاسْتِقْبَال الشَّكَاوَى وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ ، أَلَيسَ هُنَاكَ
مَحْكَمَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَحْكَمَةِ الأُسْرَةِ؟
وَمَنْ هِيَ الْمَرْأَةُ الْيَمَنِيَّةُ الَّتِي
تَعَرَّضَتْ لِعُنْفٍ وَاضْطِهَادٍ ثُمَّ لَمْ تَجِدْ مُنْصِفًا لَهَا لَا مِنْ
أَهْلِهَا وَلَا مِنْ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّة؟
هَلْ هَذِهِ الْجِهَاتُ الْمُمَوَّلِةُ
يُمْكِنُ أَنْ تَصْرِفَ مِيزَانِيتَهَا لِتَحْسِينِ وَضَع الْأُسَرِ الْمَنْكُوبَةِ
وَتَوْفِيرِ الْأَجْوَاءِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا فِي بَيْتِوها وَأَمَاكِنهَا وَقُرَاهَا
أُمْ فَقَطْ لَا بُدَّ مِنْ إيوَائِهِا فِي أَمَاكِنَ خَاصَّة لِيَسْهُل تَخَطُّفُهَا
بَعْد ذَلِكَ .
فِي تُسَاؤُلَات كَثِيرَةٍ جِدًّا، اكْتَفَى
بِمَا ذُكِرَ فَفِيهِ كِفَايَةٌ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ التَّوْفِيقَ
وَالْهِدَايَةَ وَلِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد .
أَبُو سُلَيْمَانَ سَلْمَانُ بْنِ صَالِحٍ
الْعِمَاد . 17/ ذُو الْحِجَّةِ / 1447هـ