نصيحة محب 2026-06-08 07:09:40 mp3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد :
فإن أفضل ما تُصان به العقول والقلوبُ في زمن الفتن، بعد توفيق الله لهو لزوم جادَّة العلم، والتحصنُ بالوعي والبصيرة ، والقناعة التامة التي لا تستقر معها حيرة .
فيا معشر العقلاء من طلبة العلم والمحبين وأهل الفضل النبلاء دونكم نصح محب لكم، فما أجمل العبارات التي تنبع من قلب محب يرجو الخير والنجاة لمن يحبهم ، فالشفقة على قلوبكم هي التي تحرك لسان النصح
جمعنا الله في طريق العلم، والسنة ويسوؤنا أن يضل فيه حبيب أو قريب
غيرةً عليكم أن تَخطَف عقولكم العناوينُ البراقة ، فالذي دفعني لهذه الكلمات ليس تزايدا بالقول عليكم، ولا ترفعاً بالعلم، فمن نحن وما نحن ؟
ولكنه محض النصح وعين الحزم والغيرة على العقول والقلوب.
إن عقل المؤمن روضة مصونة، لا يصلح أن يرتع فيها كل عابث، وإن قلبه إناء طاهر، لا يجوز أن يودع فيه الأكدار والأقذار. وإننا في زمن تلاطمت فيه أمواج الأفكار، وتعددت وسائل التشكيك، وكثرت فيه قنوات الإثارة.
لذا، وجب على كل عاقل أن يقف حارساً يقضا على فكره وقلبه، لا يسمح لوارد الشبهة بدافع الثقة بالنفس ، والركون على الفهم فكم زلت من أقدام وزاغت من أفهام ؟
أوليس قد قيل قديما مقولة ترقم بأغلى مداد : القلوب ضعيفة، والشبه خطافة ؟
أيها الأفاضل : ما كل شائعة نقف عندها ولا كل نقع يُثار يعمي الأبصار،
تُراهات الخصوم لا نهاية لها ، فمرضهم مزمن ، وإن انشغال أهل الحق بهم هو الهدف الذي أسسوا فتنتهم عليه ، وأعانهم عليه قوم آخرون .
يريدون إيقاف سيل الوعي والبصيرة ، لكي لا يكسر جسور الضلال والفساد والحيرة ، وحتى لا تغرق مراكب المقلدة ، وتهدمَ البيوت الضعيفة التي لم تؤسس على القواعد الصلبة .
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ﴾ [النحل: 26]
معشر الأحبة : ماذا بعد الحق إلا الضلال
ألستم على الحق والله هداكم له لا بحولكم ولا بقوتكم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
ألستم على بصيرة من أمركم ؟
أليس اتحاد الأسهم عليكم دليل على صحة سيركم ؟
لو كانت لكم وجوه نفاقية متعددة من سيغضب عليكم ؟
لو كانت لكم مداهنات ومراوغات من سيقدح فيكم ؟
لو كانت لكم فتاوى مطاطية من سينقبض منكم ؟
وبالمقابل إن لم تكونوا مؤثرين من سيبالي بكم ؟
إن لم تكونوا مثمرين من سيرجمكم ؟
إن لم تكونوا سائرين بقوة من سيحاول إيقافكم ؟
والخلاصة : إن لم تكونوا فمن عليكم ؟
إخواني الكرام : لا نبالي بمن زُين له أنَّه لا بقاء له إلا بفنائنا .
ولا بمن يرى أنه لا سير له ونحن في طريقه حتى يزيلنا .
ولا بمن لا يحافظ على مكانته إلا بالقدح فينا .
ولا بمن لا يجمع الناس حوله إلا بالتنفير عنا .
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ [التوبة: 105]
أيها الأحبة : لا نشغل أنفسنا وإخواننا بترويج الشائعات ، وإذاعة الشبهات
خصومنا يبقون أياما طويلة يعكفون على مواقعنا وصوتيات مشايخنا يسمعونها ويجردونها لا ليستفيدوا علما ولكن ليقفوا على زلة وعثرة فإن وجدوا بعد طول عناء فرحوا بما أوتوا ونشروا ما وجدوا وضخموا العناوين
وللأسف الشديد يتلقفها المحب فيذيعها على أوسع نطاق ويشغل إخوانه ويهدر أوقاتهم وبدافع الحب له والحرص عليه يحصل البيان والتوضيح ، ولكن إلى متى هذا ؟
كيف لو قلت لكم : إن أكثر ما يشغلنا المحبون بسؤالهم ورسائلهم ، ما الجواب عن هذه الشبهة وماذا نقول في هذا ؟
أقول لبعضهم : هل سمعت المادة بتمعن ؟ فيجيب لا .
أقول: أحذف العنوان واسمع الصوت واخرج لي موضع الإشكال فيما رأيته أنت لا ما عنونوا عليه وأنا أجيبك .
فيجيب أنا عارف والحمد لله ، ولكن هناك شخص عامي قد تأثر ، أقول له أجب عليه بما قد عرفت أنت .
صدق الله : ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) ﴾ [التوبة: 47]
أخي الكريم : لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة فلا تجالسهم في مجالسهم أو مواقعهم ولا تحادثهم ولو عرفتهم ، فكيف بالخلايا المجهولة ، فذلك أوجب عليك ألا تنساق ورائهم .
لم تجد الأيادي المشبوهة محلا بين أوساطنا بعد أن كشف الله سترهم فتنبهنا لهم وفضحناهم ولم نقبل من أي أحد إنشاء مجموعة عامة أو خاصة تتكلم بلساننا حتى نعرف كل من فيها ، ولا نقبل منشورا إلا مذيلا باسم صاحبه مع معرفة حاله ، وما عدى ذلك فنحن في غنى عنه ولو تظاهر بنصرتنا ، وبذلك حفظ صفنا بفضل الله .
فذهبت تلك الأيادي المشبوهة الماكرة الفارغة والمتفرغة للفتنة والفرقة فباضت وفرخت بين صفوف الخصوم والمخالفين ولما كانوا مفلسين ووافق شن طبقا رضوا بذلك وفرحوا ، ولسان حالهم: هؤلاء إن لم ينفعونا بأذية خصمنا – لم يضرونا إن أساؤوا ؛لأننا بإمكاننا أن نقول: نحن لا نعرفهم وكفى ، ولكن يكفي أن الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
أيها الموفق رعاك الله :
إن جهود أهل الشر لن تقف عند قناة واحدة أو قناتين أو طريقة معينة كطريقة تتبع الزلات ، والكذب والبتورات والتلبيسات والتشويه ، بل وطن نفسك على مواجهة أمواج الباطل ورماح الأهواء بدروع التمسك والقناعة واليقين .
إنهم الآن في حالة ضعف في الحقيقة ، فكيف لو كانوا أقوياء هل سنضعف ؟ كلا بإذن الله .
أخي الكريم : اذكر نعمة الله عليك واستحضر ما أنت فيه من الخير والفضل لله وحده الذي هداك ووفقك
علم وتعلم ودعوة وسنة وتمسك ومواقف ثابتة لا تضييع ولا تمييع لا أفراط ولا تفريط ، لا غلو ولا جفاء ، إقبال على الخير بنشاط وصبر واحتساب ، لم تؤخذنا الدنيا مع من أخذت ، ولا المناصب مع من جرفت ، ولا السياسات مع من غيرت ، ولم نتأثر بضغوط الواقع فعرفنا ما كنا ننكر ولا العكس كما فعل غيرنا ، دعوتنا بالأمس واليوم والغد واحدة بإذن الله وتوفيقه .
أتريد أن يكرمك الله بهذا الخير كله ولم تلق بلاء ليختبر صدقك ، ولم تواجه فتنة ليظهر ثباتُك ، ولم تجد مشقة ليعلو مقامك ، ولم تواجه حربا وأذى لتكون من ورَّاث الأنبياء حقيقة ؟!
أتريد أن تفرش لك الورود ، وتوضع لك الأكاليل ، وأن يرضى عنك الناس على اختلافهم إن هذا لشيء عجاب
قال الله لنبيه r : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) ﴾ [الأنعام: 34].
وفي الختام، أيها الإخوة : اعلموا أن الحق أبلج لا يخفى، والباطل لجلج لا يثبت.
قد تبين الرشد من الغي، فاستبان النور وانقشع الظلام. فلا يليق بمن نهل من معين الوحيين ـ أن يزول عقله بأدنى موقف، أو تؤثر فيه أدنى شبهة ، أو توقفه العناوين الخاوية عن المضمون.
إن عقل المؤمن جبل أشم، لا تهزه رياح التشكيك العابرة.
ومن عرف الأصول والثوابت، لم تضله المواقف العارضة، ولم تخدعه العناوين البراقة.
فالأمر دين وعقيدة، والوقت أغلى من أن يضيع في ترهات الخصوم.
جعلنا الله وإياكم من الراسخين في العلم، الثابتين على الحق حتى نلقاه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
أبو سليمان سلمان بن صالح بن حسين العماد .
الاثنين 22/ ذو الحجة / 1447هـ